عبد الكريم الخطيب
850
التفسير القرآنى للقرآن
وكما كان جزاء كعب بن الأشرف - رأس الفتنة - القتل ، كان جزاء قومه النفي من الأرض . . والذي تولّى قتل كعب بن الأشرف ، بأمر من رسول اللّه ، هو محمد بن مسلمة الأنصاري . . وقوله تعالى : « لِأَوَّلِ الْحَشْرِ » إشارة إلى أن هذا أول إخراج لليهود من ديارهم ، وأنه سيكون بعده إخراج لجماعات أخرى منهم . . وقد حدث هذا فعلا ، فأخرج بنو قريظة بعد غزوة الأحزاب ، وقتل كل من بلغ الحلم منهم ، وسبى النساء ، والأطفال والشيوخ ، ثم أخرج اليهود جميعا من الجزيرة العربية في عهد عمر بن الخطاب ، حيث أجلى البقية الباقية منهم ، والتي كانت تعيش في خيبر . . وسمّى هذا الإجلاء حشرا ، لأنه أشبه بالحشر الموعود يوم القيامة ، حيث وقع عن قهر ، ولم يقع عن رغبة منهم . . ثم إنه كان إجلاء عامّا ، لم يدع أحدا منهم ، كما لم يدع حشر القيامة أحدا ممن في القبور . . ثم إنه من جهة ثالثة كان جماعيّا فوريّا ، وليس جماعة جماعة ، وزمنا بعد زمن . . فالحشر : يشير إلى القوة الضاغطة الحاشرة ، التي تسوق المحشورين سوقا عنيفا ، وتجمع أشتاتهم في دائرة واحدة ، وتقيمهم على وجه واحد . . فهو والحشد بمعنى ، ومنه قوله تعالى : « فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ » ( 53 : الشعراء ) وقوله تعالى : « فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا » . . أي فطلع عليهم قدر اللّه فيهم من حيث لم يقدّروا ، فقد كانوا يحسبون أنهم من حصونهم في أمن من كل يد تنالهم ، وخاصة يد النبي والمسلمين الذين كانوا يرون أنهم لن ينالوا